الشيخ محمد هادي معرفة

40

تلخيص التمهيد

وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك ، وتصويره في نفسك ، وتقريره عندك ، إلّاأنّ هاهنا نكتة ، إن أنت تأمّلتها تأمّل المتثبّت ، ونظرت فيها نظر المتأنّي ، رجوت أن يحسن ظنّك ، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك ، وهي : إنّا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا : لولا أنّهم حين سمعوا القرآن ، وحين تحدّوا إلى معارضته ، سمعوا كلاماً لم يسمعوا قطّ مثله ، وأنّهم قد رازوا أنفسهم « 1 » فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه ، أو يقع قريباً منه ، لكان محالًا أن يدّعوا معارضته وقد تحدّوا إليه ، وقرعوا فيه ، وطولبوا به ، وأن يتعرّضوا لشبا الأسنّة « 2 » ويقتحموا موارد الموت . فقيل لنا : قد سمعنا ما قلتم ، فخبّرونا عنهم ، عمّاذا عجزوا ، أعَن معانٍ من دقة معانيه وحسنها وصحّتها في العقول ؟ أم عن ألفاظ ؟ فإن قلتم : عن الألفاظ ، فماذا أعجزهم من اللفظ ، أم بهرهم منه ؟ فقلنا : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كلّ مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كلّ حجّة وبرهان ، وصفة وتبيان ، وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشراً عشراً ، وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها ، أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتّساقاً بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاماً والتئاماً ، وإتقاناً وإحكاماً ، لم يدع في نفس بليغ منهم لو حكّ بيافوخه السماء « 3 » موضع طمع حتّى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول ، وخلدت القروم « 4 » فلم تملك أن تصول . « 5 » ويعقب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن ، ومزايا ظهرت في نظمه وسياقه ، بهرت

--> ( 1 ) . يقال : راز الحجر أي وزنه ليعرف ثقله ، وراز الرجل : جرّب ما عنده ليختبره . ( 2 ) . الشبا : جمع شبوة ، وهي إبرة العقرب ، وحدّ كلّ شيء . ( 3 ) . اليافوخ : مقدّمة الدماغ في الرأس وهو مثل يضرب لمن يستعلي ويتكبّر . ( 4 ) . القرم - بالفتح - : الفحل إذا ترك عن الركوب والعمل . ( 5 ) . دلائل الإعجاز : ص 27 - 28 .